أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
351
العقد الفريد
وألعقته أمرّ من الصّاب ثم رجعت إلى نفسي باللائمة ، وقلت : لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه ؟ فأتيتك يا أمير المؤمنين ، لتكون في أمري ناظرا ، وعليه معديا . قال : صدقت ! لا أسألك عن ذنبه والقيام بحجته . اكتبوا لها باطلاقه . قالت : يا أمير المؤمنين ؛ وأنّى لي بالرجعة وقد نفد زادي ، وكلّت راحلتي ؟ فأمر لها براحلة وخمسة آلاف درهم . وفود عكرشة بنت الأطرش على معاوية رحمه اللّه تعالى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال : دخلت عكرشة بنت الأطرش بن رواحة على معاوية متوكّئة على عكاز لها ، فسلّمت عليه بالخلافة ثم جلست ؛ فقال لها معاوية : الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين ؟ قالت : نعم ، إذ لا عليّ حيّ قال : ألست المقلّدة حمائل السيوف بصفّين ، وأنت واقفة بين الصّفين تقولين : أيها الناس ، عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إن الجنة لا يرحل عنها من أوطنها ، ولا يهرم من سكنها ، ولا يموت من دخلها ؛ فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ، ولا تنصرم همومها ، وكونوا قوما مستبصرين في دينهم مستظهرين بالصبر على طلب حقهم ؛ إن معاوية دلف « 1 » إليكم بعجم العرب غلف « 2 » القلوب ، لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة ؛ دعاهم بالدنيا فأجابوه ، واستدعاهم إلى الباطل فلبّوه ، فاللّه اللّه عباد اللّه في دين اللّه ؛ إياكم والتواكل ، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام ، ويطفئ نور الحق هذه بدر الصغرى ، والعقبة الأخرى . يا معشر المهاجرين والأنصار ، امضوا على بصيرتكم ، واصبروا على عزيمتكم ، فكأني بكم غدا ولقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع « 3 » صقع البقر ، وتروث روث العتاق .
--> ( 1 ) دلف إليكم : مشى . ( 2 ) غلف القلوب : أي على قلوبهم أكفّة لا يفقهون ولا يسمعون . ( 3 ) تصقع : تخلّف الرائحة الكريهة .